النساء أقل من حيث القدرة العقلية
من الرجال لذلك فإنهن لا يجب أن ينخرطن في مجالات العلوم العقلية والفلسفة، رأي
سمعته كثيراً مؤخراً من بعض المهتمين بهذه العلوم، بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك
فمنعها من السياسة وتقلد مناصب قوية في الدولة، البعض أيضاً ذهب إلى أنها لاتصلح
إلا لأعمال المنزل والجنس والحمل والولادة، لكني اليوم سأعرض رأيي حول القضية
الأولى فقط.
إن هذا الرأي لا يعود لشخصيات
حديثة فقط بل أنه قديم قدم التاريخ وأشهر من تبنى هذا القول الفيلسوف أرسطو الذي
يرى أن المرأة هي في الأساس رجل ناقص، وليست إنساناً مكتمل النضج بل هي أقرب لرجل
عاجز(1)، ذلك هي لاتصلح لما يصلح له
الرجل من أعمال بل الأنسب لها القيام بمهام الأسرة والابتعاد عن غير ذلك. أما
الفيلسوف هيغل الذي يعد بدوره أحد فلاسفة التنوير فيقول، "النساء قادرات على
التعلم، ولكنهن لسن مخلوقات لنشاطات تتطلب قدرة شاملة، كالعلوم المتقدمة، أو
الفلسفة أو بعض أنواع الإنتاج الفني لا تنظم النساء أعمالهن حسب متطلبات شاملة،
ولكن بناءًا على رغبات وآراء اعتباطية". إن مثل هذه الأحكام كانت منتشرة
في كثير من الحضارات والثقافات ولا نستغرب انتشارها إذا كان من تبناها ذو شهرة أو
سلطة وتأثير واسع.
إن نقد موروث ورأي يكاد يكون
أمراً مسلماً به عند الناس هو أمر فائق الصعوبة، خصوصاً أن من تبناه يدعي أن مرجع
حكمه لايحتمل الخطأ، سواءً كان مرجعه المنطق أو النصوص المقدسة أو العلوم
الطبيعية. إن الإنسان يغتر بأداة علمه التي يعتبرها كاملة وينسى أنه هو قابل
للوقوع في الخطأ حتى لو كانت الحقيقة نصب عينيه.
إن أقدم وأهم حجج القائلين بهذا
الرأي هي كالآتي:
-أن قدرات
المرأة العقلية غير كاملة وليست مساوية للرجل، بل تؤثر عاطفتها على أحكامها فتتجرد
من الموضوعية.
-أن
التاريخ لم يشهد نساء فلاسفة وليس لهن تواجد واضح في مجالات تتطلب صناعة عقلية.
أولاً ماهي القدرة العقلية؟
في اللغة تعرف القدرة بأنها: القوة(2)
، والقدرة القوّةُ على الشيء والتمكُّنُ منه(3).
إن مفهوم القدرة العقلية، من
المصطلحات الواسعة التعريف، قد يكون من الصعب تحديد نشأته لكنه تغير حسب المرحلة
التي استخدم فيها. ظهر في ميدان علم النفس التطبيقي، وكان هناك له أكثر من تعريف
لكن أغلبها مرتبط بالإمكانية على الأداء، أداء شيء معين أو مجموعة من الأداءات.
ظهر المصطلح تارة مرتبطا بقياس الذكاء (IQ) في أبحاث العالم"ألفرد
بينيت" الذي كان يقاس بعاملين هما الذكاء الغوي و الذكاء المنطقي. ثم تطور
على يد العالم الانجليزي"تشارلز سبيرمان" الذي رفض مصطلح"الذكاء"
وقام باستبداله بمصطلح"العامل العام" الذي يعبر عن الطاقة العقلية
العامة التي تهيمن على جميع نشاطات العقل. وفي عام 1983 وضع العالم هاورد جاردنر
نظرية الذكاءات المتعددة التي تقسم القدرات العقلية إلى قدرات عديدة منها لغوية،
منطقية-رياضية، اجتماعية، موسيقية، بدنية، مكانية وغير ذلك.
إذاً هناك عدة قدرات قد يمتلكها
الفرد لكن هل هذه القدرات هي خواص فردية متفاوته من شخص لآخر أو أن لها علاقة
بالجنس؟
من الناحية العلمية، كان هناك
اختلاف في الأوساط العلمية حول ما إذا كان هناك اختلافات بالذكاء بين الذكور
والإناث. بين فريق يقول بعدم بوجود اختلافات، وفريق يقول بوجودها لصالح أحد
الطرفين ، ولكل منهم منهج خاص وتجارب يدعم بها أرائه.
البحوث في هذا المجال اتبعت
طريقتين، التجارب عبر اختبارات (IQ) للذكاء، و تحديد أجزاء الدماغ النشطة
ووظيفة كل منهم عبر جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي (MRIs).
ووجد تحليل عام 2004 من قبل
ريتشارد لين وبول اروينج نشرت في عام 2005 أن متوسط معدل الذكاء للرجال تجاوز
ذلك من النساء بنسبة تصل إلى 5 نقاط على اختبار مصفوفات الغراب التقدمية(4) .
لكن اختبارات(IQ) ليست معياراُ دقيقاً، حيث أنه أقل من 10٪ من المقارنات
المحتملة تظهر الاختلافات بين الجنسين في سبة المتوسط بين المجموعات ونسب التباين.
بالإضافة إلى أن الاختلافات بين الجنسين لها نمط عشوائي ولا يتم تكرارها حسب دراسة
اجريت في رومانيا. (5)
أما التصوير بالرنين المغناطيسي
أظهر عدة حقائق وهي كالآتي:
-حجم دماغ
الرجل أكبر بمتوسط 10%-12% في المائة من دماغ المرأة.
- تختلف
أدمغة الرجال والنساء أيضا في التكوين العام. تحوي أدمغة الذكور على نسبة أعلى
قليلا من المادة البيضاء، في حين أن نسبة المادة الرمادية أعلى عند الإناث في معظم
أجزاء القشرة المخية.
-ووجد
بحث، الذي شمل تصوير أدمغة ما يقرب من 1000 مراهق أن الوصلات العصبية في أدمغة
الذكور أكثر ارتباطا داخل النصف الدماغي الواحد، في حين أن أدمغة الأناث أكثر
ارتباطا بين نصفي الدماغ .
النتائج، تشير إلى أن عقول الذكور
قد تكون الأمثل للمهارات الحركية، ويمكن أن تكون العقول الأنثوية الأمثل للجمع بين
التفكير التحليلي والبديهي. قد تكون المرأة أفضل في الذاكرة الفظية والإدراك
الاجتماعي، في حين أن الرجال قد يكون لديهم مهارات أفضل متعلقة
بالحركة والمكان. لكن هذه
الاختلافات وظيفية تنطبق بالعموم وقد لا تنطبق على أفراد الرجال والنساء دائماً.(6)
أما الاحتجاج بالتاريخ فهو إذا
كان معياراً أو مقياساً للحكم فهنا تظهر مشكلة أن التاريخ ليس ثابتاً وبه تفاوت،
من حيث توفر أو تساوي الظروف والمقومات للجنسين على مر التاريخ. وإذا لم نأخذ ظروف
التنشئة والاختلافات الثقافية بعين الاعتبار قد لا يصح حكمنا.
منذ أقدم المجتمعات جرت العادة
على أن تقسم المهام للأفراد حسب الجنس، فتتولى النساء مهام الأسرة والمنزل بسبب
بنيتها الجسدية الرقيقة، أما الرجال فيتولون المهام الشاقة لتوفير النفقة للأسرة.
غير أن تمكين المرأة في مجالات الحياة المختلفة كان متفاوت من ثقافة لآخرى، ولم
تكن متمكنة في أكثرها إما لأسباب دينية أو سياسية أو غير ذلك.
ثم إذا قسنا حجة التاريخ بنفس
الطريقة على جنس الرجال نفسه قد نستنتج بأن الرجل الأبيض أقدر عقلياً بل وجسدياً
من الرجل الأسود، وفقاً لقلة حضور الرجل الأسود في هذه المجالات مقارنتاً بسابقه.
بل أن هذا الرأي قد أخذ به بعض المفكرين والفلاسفة، فذهبوا إلى القول بالأفضلية
العرقية بالتقسيم حسب اللون، فأرسطو كان يرى بأفضلية الأغريق
على البرابرة كما في رسالة وجهها إلى الاسكندر الأكبر تزامناً مع غزواته حيث قال
له (عامل اليونانيين بوصفك قائداً لهم، وعامل البرابرة بوصفك سيداً عليهم، لأن
البرابرة يخضعون بالطبيعة للأغريق)(7).
و آرثر دو غوبينو،المفكر
والفيلسوف الفرنسي في كتابه "أصل التفاوت بين الأجناس البشرية"،
إذ حدّد أنّ سلالة العرق الأبيض هي الأعلى وأن الإنسان الأبيض هو من يقود التاريخ،
ويصنع الحضارات.
وأما من فلاسفة التنوير، الفيلسوف
كانط الذي قام بتقسيم الأجناس وفقاً للعرق واضعاً الجنس الأبيض في القمة ثم ياتي بعده
الجنس الأصفر ثم الجنس الزنجي ثم الأحمر. وشوبنهاور الذي استدل بأن غالبية
الحضارات قادها البيض ليثبت أفضلية العرق الأبيض. أما ديفيد هيوم فقد قال "
أنا لا أشك أبدًا أن الزنوج وجميع أنواع البشر هي بالطبيعة في مستوى أدنى من
الإنسان الأبيض". ولم تنتهي القائمة ففولتير ونتشيه كان لهما أراء مقاربة لا
تختلف كثيراً عن سابقيهما.
لكن إذا قمنا بأخذ الظروف
الجغرافية والاقتصادية والسياسية بعين الاعتبار وفترة ظهور الرق الممتدة من نهاية
القرن الثامن عشر وحتى القرن التاسع عشر، مزامنه مع فترة اضطهاد السود وعنصرية
طويلة تجاههم دامت بعد انتهاء الرق عرفنا أسباب تأخر ظهور أصحاب المعارف والعلوم
من السود.
في اعتقادي أن القدرة
المنطقية-الرياضية هي التي أختلف فيها باعتبار الجنس وهذا يتضح في القول بأن
المرأة غير قادرة على فهم المجردات والأنماط . لذلك سأذكر أمثلة لنساء أتقنوا
علوماً كان يعتقد بعدم قدرتها على اتقانها وكيف كانت العثرات المختلفة تعترض
طريقهن.
- نذكر في
قصة الفيلسوفة هيباتيا( 350\370- 415 ق.م) مصرية من أصول يونانية ألسكندرية، أرسلت
إلى أثينا وتعلمت الفلسفة والرياضيات والفلك ثم عادت إلى مصر وبدأت تدرس المصريين
من علمها فأخذت تكسب شهرة واحترام ونفوذاً واسعين. غير أن ذلك لم يدم طويلاً حيث
اعتبرت الكنيسة هيباتيا تهديداً لهم بسبب أفكارها ثم قاموا بالتخطيط لقتلها
وفعلوها وكانت وقتها في الخامسة والثلاثين من عمرها.
-صوفي
جرمين (1776-1831 م) فيلسوفة وعالمة رياضيات وفيزياء فرنسية، عشقت الرياضيات منذ
صغرها وتعلمت ذاتياً حتى سن الثامنة عشر رغم اعتراض والدها، ثم حاولت الالتحاق
بكلية الهندسة التي لم يكن مسموحاً للطالبات بالالتحاق فيها لكنها قامت بمراسلة
علماء بارزين باسم وهمي لطالب ونجحت بابهار عالم رياضيات بارز فقام بتدريسها كمعلم
خاص. لها اسهامات في بحوث كثيرة أهمها تطويرها لمبرهنة فيرما الأخيرة لجمع قيم الأس.
-مليفا
ماريك (1875-1948م) رياضياتية وفيزيائية صربية. كان والدها أشد الداعمين لها ولقي
صعوبة في إدخالها مدرسة تدرس العلوم حيث كان تدريس العلوم حكراً للذكور في صربيا
إلى أن حصل على استثناء. ثم تكرر السيناريو عند محاولتها الالتحاق بالجامعة في
زيوريخ وكانت هي المرأة الوحيدة لأن المرأة لاتقبل عادتاً في هذه الجامعة. في
امتحان القبول حصلت على معدل أعلى من ألبرت آينشتاين الذي بدوره أعجب بها وتتزوجا
لاحقاً وإليها يعود بعض الفضل في دعم وتصحيح أعماله واطروحاته.
-إيمي
نويثر(1882-1935م) عالمة رياضيات يهودية ألمانية، كافحت لتدريس الرياضيات في فترة
لم يكن يسمح فيها للنساء بتقلد مناصب أكاديمية، تم دعوتها من قبل العالم ديفيد
هيلبرت للتدريس في جامعة غوتنغن وقامت بذلك رغم وجود أصوات معارضة. من أهم أعمالها
تطوير الجبر المجرد.
من هذه الأمثلة نستطيع معرفة حجم
الإقصاء للنساء في مجالات كثيرة في أزمنة وأماكن مختلفة من العالم، حيث كانت
الثقافة والقوانين المطبقة عائق كبير في وجه المرأة، ويحزنني التفكير في كمية
النتاج العلمي الذي تم دفنه بسبب هكذا ظروف.
تساؤلات:
فالنفرض أن ذكاء الرجال أعلى
وأنهم أكثر كفائة عقليا من النساء، فهل سيكون ذلك مطلقاً أم عاماً؟
إذا كان على الإطلاق فكيف نفسر
وجود أمثلة لنساء فلاسفة ومتقنات للعلوم الرياضية والطبيعية؟ هل هو نوع من الشذوذ
مثلاً ؟ وكيف ينتج عن الشذوذ نماذج أفضل من الأصل الذي شذت عنه؟
أما إذا كان على العموم فمن
الممكن قبول هذا شرط توفر الدليل.
لكن من وجهة نظري أن الأخذ بهذا
الرأي ثم المطالبة بإبعاد وعدم إدخال النساء في مجالات كهذه قد يتسبب في تقليل
الاسهامات من قبل النساء القادرات وبالتالي الحلول دون النفع والانتفاع بقدراتهم سواءا
كانو قلة أو كثرة. وأن العقل هو الخاصة المميزة لجنس الإنسان أما الاختلافات في
القدرات العقلية فهي فروق فردية لا علاقة لها باختلافات خارجية. ثم ان
افتراض حتمية التخلف والنقص للآخر على أساس بنيوي من دون دليل هو من الجهل والتخلف
البشري.
______________________________________
Aristotle, Generation Of Animals 728-A (1)
(2) لسان العرب
(3) المعجم الوسيط
(4)
(5)
(6)
The Politics of Aristotle Eng.Trans by E.Baker
P.385.(7)