الصهيونية هي حركة سياسية/قومية يهودية حديثة نشأت نهاية القرن التاسع عشرعام 1896م، على يد الكاتب والمحامي اليهودي-النمساوي ثيودور هيرتزل، وذلك كرد فعل للأوضاع السيئة لليهودية في المجتمعات الأوروبية وكحل أخير لفشل اندماجهم داخل تلك المجتمعات، ومن هنا كانت غايتها الأساسية إعادة اليهود إلى أرض أجدادهم التاريخية وتأسيس دولة قومية حديثة جامعة، وهذه كانت هي البداية الباكرة لما جاء تاليًا من نشاطات احتلالية/استعمارية في أرض فلسطين، ومن ثم إعلان قيام إسرائيل كدولة ذات سيادة مستقلة على الأراضي الفلسطينية عام 1948م.
وكانت الحركة الصهيونية تشرعن وجود دولة إسرائيل الحديثة عبر إدعاءات تاريخية تنطوي على مغالطات وتحريفات معرفية شديدة، وتعتمد على التفاعل المعقد بين الروابط الدينية القديمة مع الأحداث التاريخية ومفاهيم الإثنية، وتهدف هذه التدوينة إلى إظهار كيف استخدمت الحركة الصهيونية هذه التشويهات المعرفية/التاريخية لإنشاء سردية تبرر وجود الكيان الإسرائيلي وتتناسب مع أهدافها، فماذا يقول لنا التاريخ وعلم الآثار بخصوص هذه الادعاءات.
أولًا: العهد القديم وأرض فلسطين:
عُرفت أرض فلسطين تاريخيا باسم أرض كنعان، وهي منطقة جغرافية وتاريخية مهمة في شرق البحر الأبيض المتوسط القديم وتتوافق جغرافيا مع أجزاء من إسرائيل الحديثة والأراضي الفلسطينية ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن كذلك، وكان الكنعانيون مجموعة متنوعة من الشعوب القديمة الناطقة بالسامية الذين عاشوا في أرض كنعان وأخذت اسمها نسبة لهم، لكن السؤال هنا، لماذا تدعي الصهيونية الحق في هذه الأرض؟ وما الذي يربط اليهود بها؟
تدعي الحركة الصهيونية الحق بالعودة إلى أرض فلسطين بدعوى أن أجدادهم كانوا منها، وذلك بالعودة للرواية التوراتية، فقد كان أوائل أنبياء العهد القديم قد استقروا في أرض فلسطين: كإبراهيم ويعقوب وموسى، ولكن الرواية نفسها تنطوي على تناقضات داخلية مع الادعاءات المتعلقة بالأجداد، فبالنسبة لوجود إبراهيم في أرض فلسطين تذكر التوراة وجود مستوطنين آخرين على أرض كنعان قبل قدوم إبراهيم، أحدها قصة شراءه لأرض لدفن زوجته سارة المذكورة في سفر التكوين (23:3): ”أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي. فأجاب بنو حث إبراهيم، قائلين له: اسمعنا ياسيدي أنت رئيس من الله بيننا في أفضل قبورنا ادفن ميتك.. فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض لبني حث".
وفي وقت لاحق جاء يعقوب، الذي من نسله جاء بني إسرائيل وفقا للكتاب المقدس، وقد هرب هو وأبناؤه الاثني عشر إلى مصر، حيث شكلوا في النهاية أسباط إسرائيل الاثني عشر، فكان هذا أول ظهور لاسم إسرائيل في الكتاب المقدس العبري في (سفر التكوين32:29)، وكانت هذه البداية الأولى لقبائل إسرائيل، ليس مع إبراهيم وبالتأكيد ليس مع آدم (في حالة مطالبتهم بحق أرض آخرى في المستقبل!!)، وانتهى وجودهم في أرض كنعان بانتقالهم للاستقرار في مصر مع يوسف (أحد القبائل الاثني عشر لإسرائيل).
وعندما جاء النبي موسى هرب مع بني إسرائيل من مصر إلى بلاد كنعان، ولكن سرعان ما انقلبت الأحداث نتيجة لعصيان الله، فعوقب بني إسرائيل بالتيه في الصحراء وجبال شبه جزيرة سيناء، لذلك ولمرة أخرى لم يستقروا في بلاد كنعان لفترة طويلة، بعد ذلك جاءت الكثير من الشخصيات التاريخية من بينها داوود وسليمان وغيرهم وستنتاول في القسم الأركيولوجي كيف أن الكثير من الأدلة لاتدعم دقة وصحة رواية الكتاب المقدس من الأساس.
ثانيًا: العهد القديم والحركة الصهيونية:
رغم أن الحركة السياسية التي بدأها ثيودور كانت علمانية في أساسها، إلا أنها تتعتمد في وجودها على الرواية الدينية التوراتية المذكورة في المصادر اليهودية، ولكن مع المزيد من الإضافة والتحريف، فقامت الصهيونية من أيامها الأولى بتقسيم التاريخ إلى ثلاثة أجزاء: العصر التوراتي، النفي البابلي، العودة من الشتات.
تبدأ فترة العصر الذهبي من إبراهيم وحتى الخروج من مصر مع موسى، حيث يبدأ التاريخ القومي اليهودي من تحقق الوعد الإلهي لإبراهيم¹، بخروج اليهود من مصر وانتصارهم على الكنعانيين، وتمتد هذه الحقبة على مدى قرون من الثورات والانتصارات، حتى تنتهي بهزيمة الثورة اليهودية أمام الرومان في القرن الأول للميلاد²، في حين تمتد فترة النفي أو المنفى من بداية تشتت اليهود عبر الأمم، وتشكل فترة المنفى عند الصهيونية خسارة الأرض - الرابط الجسدي/المادي بأرض الوطن- وانتهاء وجود اليهود كأمة محددة وموحدة. يوجد تقسيم مشابه له لدى اليهودية التقليدية أوالدينية أيضاً، حيث تفصل التقليدية بين حياة/وجود اليهود في المنفى واليهود القدامى في أرض إسرائيل، وترى أن النفي القديم لليهود من أرض إسرائيل كان عقوبة إلهية، ونجد أن الخطاب الصهيوني ركز على تصوير مدة العصر الذهبي بصورة إيجابية، وهو يشدد دائما على ضرورة العودة إليها والاقتباس منها، كما توصف بأنها المدة القومية الأولى، في حين تصور مدة النفي بطريقة سلبية شديدة، وأنها مدة انحطاط ومهانة³، هذا التقسيم التاريخي يجعل من السهل انتقاء الحوادث والظروف التاريخية التي تناسب وتخدم الخطاب الصهيوني، وتتجاهل الحوادث التي تتعارض معه، على سبيل المثال حادثة نفي قبائل بني اسرائيل التي حدثت في مدة العصر الذهبي حسب تقسيمهم⁴
ثالثًا: الأركيولوجيا والسردية التوراتية:
على الرغم من أن رواية الكتاب المقدس تتضمن معلومات تاريخية مثل أسماء المدن والشخصيات التاريخية والقبائل والأوصاف الجغرافية لمناطق معينة، إلا أنها غالبًا ما تعتبر مزيجًا من النصوص الأدبية والسجلات اللاحقة لأحداث تاريخية متمازجة مع تفسيرات وتخيلات الكهنة اليهود اللاحقين، وبالتالي فإن تاريخ الكتاب المقدس لا يحظى باعتراف كبير من قبل علماء الآثار والمؤرخين، فيشير علم الآثار إلى أن حقبة الآباء والخروج كانت مجرد أساطير تم نسجها في فترات لاحقة، وأنه لا يوجد دليل مقنع على غزو موحد لبلاد كنعان ولا وجود لمملكة إسرائيل الموحدة والمزدهرة في عهد داود وسليمان⁵.
احدى طرق تتبع تاريخ شرق البحر الأبيض المتوسط القديم هي فحص المصادر المصرية الفرعونية القديمة، ومع ذلك لاتوجد أدلة على حادثة الخروج من مصر التي وردت في العهد القديم، فتشير عالمة الآثار آن كيليبرو إلى أنه "من وجهة النظر المصرية، هناك اتفاق عالمي على عدم وجود إشارة مباشرة إلى الهجرة الجماعية في المصادر المصرية، علاوة على ذلك واجهت المحاولات لتحديد تاريخ محدد لهذه الحكاية صعوبات، إن وضع هذا الحدث في قرن معين - مابين السادس عشر والخامس عشر والثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد - أثبت أنه غير حاسم بسبب التناقضات المختلفة بين الرواية الكتابية والبيانات التاريخية والأثرية"⁶.
من جهة آخرى تناول إسرائيل فينكلشتاين عالم الآثار والباحث الإسرائيلي، الذي اشتهر بمساهماته الكبيرة في مجال علم الآثار الكتابي ودراسة إسرائيل القديمة والمشرق، حدث تجول بني إسرائيل في صحراء سيناء. وأشار إلى أن "المسوحات الأثرية المتكررة في جميع مناطق شبه الجزيرة، بما في ذلك المنطقة الجبلية المحيطة بالموقع التقليدي لجبل سيناء، بالقرب من دير سانت كاترين، لم تسفر إلا عن أدلة سلبية: ولا وجود حتى لشقفة واحدة، ولا هيكل ولا بيت ولا أثر لمعسكر قديم"⁷، وبينما يصف الكتاب المقدس انهيار العصر البرونزي بأنه ناجم عن الغزو الإسرائيلي لكنعان، يؤكد المؤرخون وعلماء الآثار عكس ذلك، وهو أن صعود بني إسرائيل في كنعان كان نتيجة لانهيار العصر البرونزي وليس سببًا له، وهذا يتحدى المصادقية التاريخية لقصص النصر المقدمة في الكتاب المقدس.
رابعًا: الإثنية اليهودية المتخيلة:
يقدم السرد التاريخي الصهيوني اليهود كأمة ويحاول ربط يهود اليوم بنظرائهم القدامى في مملكة إسرائيل القديمة، ولكن في الواقع الأمر أن العلاقة الوحيدة بين غالبية اليهود اليوم وأرض فلسطين هي دينهم المشترك⁸، ولذلك فاليهودية نفسها لا تمثل إثنية، فالإثنية كما عرفها أدريان هاستينغز: "جماعة من الناس الذين يشتركون في هوية ثقافية ولغة منطوقة"، وحتى بالنظر إلى مدى تعقيد المفهوم، فإنه يشمل عناصر متعددة، كما نجد في تعريف كامبريدج الإنجليزي: "مجموعة كبيرة من الأشخاص مصنفين وفقًا لأصل أو خلفية عرقية أو قومية أو قبلية أو دينية أو لغوية أو ثقافية مشتركة".
تواجدت اليهودية في أماكن متعددة حول العالم، بما في ذلك الصين واليمن وأوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة. فهل يصح اعتبارهم جميعا باختلاف ثقافاتهم ولغاتهم أمة واحدة؟ وأما بالنظر إلى اللغة، نجد أن اللغة العبرية المستخدمة اليوم تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغة العبرية القديمة، حيث تغيرت إلى درجة لم يعد يمكن التعرف عليها ولم تعد موجودة بالاستخدام اليومي، إلى أن تم إحياؤها لاحقًا في أواخر القرن التاسع عشر كجزء من الحركة الصهيونية، وهذا من ما ينفي أساس هويتهم القومية.
تتبع عالم يدعى ريتشارد سيجيل أصل التسميات اليهودية بالنسبة للأدلة الثقافية والتاريخية وخلص إلى أنه هناك لبس كبير باستخدامها، يذكر قائلا: "لا يصح أن نطلق على بني إسرائيل لفظ يهودي، كما لايصح أن نصف يهود اليوم بأنهم إسرائيليون أو عبرانيون⁹.
إن إدعاء وجود هوية قومية تقوم على الديانة اليهودية لا يمكن القبول بها لكون مفاهيم مثل الهوية القومية والدولة والأمة لم تكن موجودة حتى القرن الثامن عشر والتي ظهرت مع إيمانويل كانط¹⁰، أما فكرة العرق النقي مرفوضة من علماء الوراثة، آشلي مونتاجو أحد الأسماء البارزة في المجال جادل بأن مفهوم العرق ليس مدعومًا بالأدلة البيولوجية وأنه تم استخدامه تاريخيًا لتبرير التمييز وعدم المساواة¹¹. لايمثل يهود اليوم نسلا للقبائل الإسرائيلية القديمة وفقًا للموسوعة البريطانية¹²، فإن حوالي 80% تقريبا من يهود العالم هم من الأشكناز، وتكشف دراسة أجرتها جامعة هيدرسفيلد أن حوالي 80% تقريبا من الجينات الوراثية للأشكناز تعود إلى أوروبا¹³.
وأخيرًا، لم يكن لفلسطين أهمية مركزية في الخطاب الصهيوني، ولم تكن الخيار الأساسي. بدليل ذكره تيودور هرتزل الأب الروحي للصهيونية: "هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟ سنأخذ ما يُعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي، وسوف تقرر الجمعية هاتين النقطتين"¹⁴، ويعكس هذا التصريح الذي نشره في كتابه في تسعينيات القرن التاسع عشر قبل تأسيس المنظمة، كيف استخدمت الحركة السرد التاريخي اليهودي لخدمة احتياجاتها، وحقيقة أن أرض فلسطين لم تكن الخيار الوحيد لإقامة دولة إسرائيلية، فإن هذا يدعم فكرة أن الغاية لم تكن محاولة لتحقيق نبوءة ما أو العودة الضرورية إلى أرض الأجداد، بل كانت بدوافع استعمارية بحتة ومع تجاهل تام للقانون الدولي.
______________
(1): وفي ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاَ قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض؛ من نهر مصر إلى النهر الكبير؛ نهر الفرات. سفر التكوين، 14:13
(2): Yael Zerubavel, Recovered Roots: Collective Memory and the Making of Israeli National Tradition, Chicago and London: University of Chicago Press, 1995, p16.
(3):المصدر نفسه ص:18.
(4): غادة عميرة وآخرون، في معنى العروبة – مفاهيم وتحديات، المركز الثقافي العربي.
(5): اسرائيل فنكلشتاين، نيل أشر سيبرمان، التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها، ترجمة: سعد رستم، دار صفحات، ص98.
(6): Biblical Peoples And Ethnicity An Archaeological Study Of Egyptians, Canaanites, Philistines, And Early Israel 1300
(7): اسرائيل فنكلشتاين، نيل أشر سيبرمان، التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها، اسرائيل فنكلشتاين، نيل أشر سيبرمان.
(8): شلومو شاند، إختراع الشعب اليهودي، ترجمة: سعيد عياش، دار الأهلية، الادرن، 2011م، ص325-253.
(9): Richard Siegel, The Jewish Almanac, Carl Rheins
(10): Elie Kedourie, Nationalist, Blackwell Publishers, 2000
(11):"Man's Most Dangerous Myth: The Fallacy of Race
(12): https://www.britannica.com/topic/Ashkenazi
(13): http://eprints.hud.ac.uk/18371/
(14): تيودور هرتزل ، الدولة اليهودية.
